خرجت الشعوب العربية من خوفها، وانطلقت صياحاتها للمطالبة بالحرية والكرامة، بعد سنوات عجاف من المهانة والذل وكبت الحريات وتفشي العنف والقهر على أرضها، خرجت لتعبر عن نفسها، بعد أن اشعل محمد بوعزيزي شهيد الثورة التونسية النار في نفسه، ليشعل معه النار في الطغاه المستبدين، ويعلن عن نهاية عصر الفساد والمفسدين المحتمين بمظلة الحاكم الظالم.
يوضح لكم وجه الشبه بين الثورة التونسية والمصرية، والتي تكاد ملابساتها واحدة، وذلك منذ إنطلاق الحشود التونسية المطالبة بالتغيير والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والإفراج عن المعتلقين السياسيين، وتوسيع حرية الرأي والتعبير التي إغتالها الديكتاتور المتجبر زين العابدين بن علي، خرجت المظاهرات في مصر يوم 25 من يناير تطالب بالعدالة الاجتماعية والحرية والتعديل الدستوري الذي يلغي فكرة توريث الحكم.
بدء المتظاهرين في البلدين العربيتين الشقيقتين المظاهرات بالصلاة والتضرع إلى المولى عز وجل أملاً في أن يخرجوا من النفق المظلم الذي عاشوا فيه سنوات طويلة، مطبقين قول الله تعالى في كتابة العزيز: " لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ " (الرعد 11).
تجمهر الملايين في الميادين الرئيسية وفي الشوارع واضعين علم البلاد أمام أعينهم ليبقى هدفاً سامياً يعملوا من أجله ويلقوا الشهادة في سبيله، مستمدين القوة من كل شهيد يقع بينهم ويصمدوا من أجل نيل هذه المرتبة العظيمة.
كان الرد من الجهات الأمنية التونسية والمصرية واحد، وهو إطلاق الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، واستخدام كافة أشكال العنف ضد المتظاهرين، ولم يراعي النساء أو الشيوخ من البطش والقهر، ليسقط العديد من الشهداء في البلدين، تحت مرأى ومسمع من الحكام الجبابرة الذين سيشربون من نفس الكأس المريرة.
استخدمت القوات الأمنية الباطشة خراطيم المياه في وجه المتظاهرين من أجل تفريقهم، بدعوى أنهم من القلة المندسة، والمغرضين الذين يهدفوا إلى تخريب البلاد، وتفشي الفوضى فيها.
استغل بعض المخربين من أعداء الوطن الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، وقاموا بكسر المحلات وسرقتها وأخذ كل ما فيها من سلع ومواد غذائية، وغيرها.
قام الفتيان الشجعان في تونس ومصر بعمل لجان شعبية للدفاع على ممتلكاتهم وعائلاتهم وأعراضهم، حيث نصبوا لجان للتفتيش في الشوارع، لمنع اللصوص والمخربين من القيام بالأفعال الغير مسئولة، والتي اثبتت بعض الصور أن الجهات الأمنية هي التي ساعدت على تفشي هذه الفوضى خاصة في مصر.
"سقوط الجبابرة".. هذا هو العنوان المختصر لهذه اللقطات التي تعبر عن مدى الغضب والكراهية التي يكنها الشعب لهؤلاء الحكام الذين استعبدوا الشعوب، وسرقوا الأموال الطائلة، وجعلوا من الدماء بحيرات، وزجوا بالشرفاء الذين ينادون بالحرية في المعتقلات.
الشعبان يردان على العنف بالعنف، وتزداد الأمور عناداً مع أصحاب الحق في الإستمرار بالتجمهر بل وتلقين الدروس القاسية لضباط الشرطة الذين لم يراعوا قدسية الأخوة بين أبناء الشعب الواحد.
وجاءت الإنفراجة الكبرى بنزول الجيش إلى الشوارع، حيث كانت هناك معتقدات راسخة في العقول المتعفنة لبن علي ومبارك أن الجيش سينضم لردع المتظاهرين المطالبين بالحقوق المشروعة، ولكن خيب الله أملهم، وألف الله بين قلوب أبناء الوطن الواحد المتعاونين على إعلاء اسم الأوطان عالية مرفرفة شامخة رغم المعتدين.
وتلاحم الشعب بالجيش في تونس ومصر، حيث قابل الشعب قوات الجيش بالأحضان والورود، تحت شعار "الجيش والشعب.. إيد واحدة".
استمر المتظاهرون في التجمر بالميادين العامة للمطالبة بقطع رؤوس الفساد، ولم تختلف طريقة الإحتجاج بين أبناء الأمة العربية الواحدة، حيث كتب أحد الأخوة التونسيين على فم القطة أنها تفضل الموت من العطش عن بقاء زين العابدين بن علي في الرئاسة، ومن الجهة الأخرى علق أحد المتظاهرين على القطة المصرية لافته مكتوب عليها "لا لمبارك".
لم يهدأ المتظاهرون أن يملوا من التظاهر والهتاف، فكانوا جميعهم على قلب رجل واحد، إجتمعوا على هدف واحد، ليسقطوا - "النظام الدراكولي" إن صح التعبير، والذي ترهل على مص دماء المواطنين الأبرياء الذين يبحثون عن لقمة عيش شريفة.
إجمالا نستطيع القول بأن "لكل ظالم نهاية" .. وكما قال الشاعر (ولكل عال من يعلوه.. وفوق كل جبار منتقم)، وأن الحرية لا توهب لأحد بل إن السبيل الأوحد للحصول عليها هو الاستشهاد في سبيلها، فجاءت ثورة الياسمين المشرفة لتلهم الثورة البيضاء المصرية الخروج إلى النور، والسعي نحو الإصلاح والتكاتف من أجل إعلاء الأوطان، ليصف العالم أجمع مصر وتونس بالبلاد "الحرة .. الكريمة" التي تقرر مصيرها بيدها دون إملاءات خارجية أو تدخلات من حاكم مأجور متسلط، فالعزة كل العزة والكرامة والحرية للشعب "المصرتونسي" أو "التونس – مصري"، وخالص التعازي لأسر الشهداء، وألهمهم المولى سبحانة وتعالى الصبر والسلوان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق